سيرة حياة عيسى بن مريم (المسيح )
كما أشرت آنفاً فأن القرآن أشار الى قصة المسيح(عليه السلام)وحياته بشكل مفصل، اذ انه تابع قصته من زمان ولادة أُمه العذراء مريم، وكيفية تلك الولادة المباركة ومكانتها العظيمة عند الله سبحانه، ويكفيها فخراً أنها هي المرأة الوحيدة التي ذكرها القرآن باسمها الصريح، اذ لم يذكر القرآن اسم امرأة بشكل صريح سواها، وقد ذكرها في اربع وثلاثين موضعاً بكل اجلال،و جعلها من المصطفين.
ولذلك يجدر بنا اولا ذكر قصة أم المسيح(عليه السلام)أي مريم العذراء في القرآن،ومن بعد ذلك نذكر قصة حياة المسيح(عليه السلام)في القرآن الكريم.
أولاً: قصة مريم في القرآن:
تبدء قصة مريم(عليها السلام) في القرآن عند ذكر أُمها،وهي أمرأة النبي عمران واسمها "حنّة"، ولم يرزقا ولداً، وكانت "حنَّة" تحنُّ الى الاولاد، فتوجهت الى الله تعالى بالدعاء، فلم تمض مدة طويلة حتّى حملت(1).
وظنّت أن الجنين الذي هو في بطنها ذكر، ولذلك فقد نذرت ما في بطنها محرراً،قد أشار القرآن الى هذا النذر في قوله تعالى: {إِذْ قَالَتِ امْرَأَةُ عِمْرَانَ رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّراً فَتَقَبَّلْ مِنِّي إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ}(2).
____________
1- حياة السيد المسيح في القرآن الكريم: 27.
2- سورة آل عمران: 35.
و المحرّر من التحرير وهو التخلص والخلاص من الوثاق وجعل الإنسان حراً كتحرير العبد وخلاصه من الرقية، والمراد به هنا هو: تحرير الولد من التبعية لوالديه أو أي شيء أخر والتفرغ لخدمة بيت الله تعالى للعبادة والعمل الصالح. وقيل: هو أنه جعل ولده بحيث لا ينتفع به الانتفاع الدنيوي المذكور في قوله عزوجل: (بنين وحفدة)(1) بل جعله مخلصاً للعبادة(2).
ولكن المفاجأة جاءت عند ولادة "حنّة" اذ أنها انجبت انثى لا ذكراً كما كانت تظن، ويشير القرآن الكريم الى هذه المفاجئة بقوله "فلما وضعتها قالت ربّ اني وضعتها أنثى والله اعلم بما وضعت وليس الذكر كالانثى واني سميتها مريم واني أُعيذها بك وذريتها من الشيطان الرجيم"(3).
و كلمة "مريم" في لغتهم تعني العابدة والخادمة على ما قيل، وهو اسم علم امرأة باللغة السريانية.
وقال في المفردات اسم اعجمي(4)، ومنه يعلم وجه مبادرتها إلى تسمية المولودة عند الوضع، ووجه ذكره تعالى لتسميتها بذلك، فانها لما يئست من كون الولد ذكراً محرراً للعبادة وخدمة الكنيسة بادرت إلى هذه التسمية وأعدتها بالتسمية للعبادة والخدمة(5).
ولكن الله تعالى تقبّل هذا المولود بالرغم من كونه انثى فقال تعالى: "فتقبلها ربّها بقبول حسن وانبتها نباتاً حسناً وكفّلها زكريا"(6) والقبول إذا قيّد بالحسن كان بحسب
____________
1- النحل: 72.
2- مفردات الفاظ القرآن مادة هو: 225.
3- آل عمران: 36.
4- مفردات الراغب: 766.
5- تفسير الميزان3: 172.
6- آل عمران: 37.
المعنى هو التقبّل الذي معناه القبول عن رضا وهو من التشريف البارز، ومن المعلوم انه لم يقبل قبلها انثى بهذا المستوى من القبول المذكور(1).
والظاهر فى آيات القرآن الكريم، والصريح من الاحاديث تشير الى أن مريم(عليها السلام)ولدت وهي يتيمة الأب، فعن الامام محمد الباقر(عليه السلام)أنها: "ايتمت في ابيها"(2).
فجاءت بها أُمها الى بيت المقدّس وقدّمتها لعلماء اليهود وقالت: دونكم النذيرة، فتنافس فيها الاحبار لأنّها كانت بنت نبيّهم، واخيراً اتفقوا على اجراء القرعة بينهم، فجاؤا إلى نهر وأحضروا اقلامهم التي كانوا يقترعون بها وألقوها في الماء - على قاعدة أن الذي يطفو قلمه على سطح الماء فهو الرابح - فرست اقلام الجميع الاّ زكريا(عليه السلام)فصارت مريم في كفالته، وقد أشار سبحانه في كتابه الى كفالة زكريا لمريم بقوله: "وكفلها زكريا" والى القرعة بقوله تعالى: {ذلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ وَمَا كُنتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقلاَمَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ}(3).
و قد نشأت السيدة مريم العذراء برعاية الله وتربيته لها، فقد ترعرعت ونشأت على عين الله تعالى وفي جوّ يعبق بالايمان والاخلاص والعبادة بعيدة عن الرذائل الخلقية والمفاسد الروحية، وقد كانت كثيرة الاجتهاد في عبادة الله تعالى حتّى فاقت الاحبار، يُنقل عن ابن عباس انه قال: "لما بلغت تسع سنين صامت النهار وقامت الليل و تبتلت حتّى غلبت الاحبار"(4).
و هذا أمر طبيعي جداً لإمرأة ستتحمل مسؤولية السر الالهي والمعجزة الكبرى ألاّ وهي الولادة العجائبية للمسيح(عليه السلام)، فلتهيئة واعداد مثل هكذا امرأة يجب أن تكون
____________
1- مجمع البيان2: 219.
2- بحارالانوار14: 192.
3- آل عمران: 44.
4- حياة السيد المسيح في القرآن الكريم: 30.
في اعلى مراتب الانقطاع الى الله تعالى والاجتهاد في عبادته سبحانه.
و كانت العذراء مريم تقضي كل وقتها في محراب العبادة(1)، لا يدخل اليها احد الاّ النبي زكريا فقد كان يأتي اليها بالطعام والشراب .
و كان كلما جاءها زكريا وجد عندها رزقاً، والواناً من الطعام لايعرف مصدره، فاحتار (عليه السلام) في ذلك وسألها عن مصدر الرزق فقالت انه من عند الله، وقد ذكر القرآن الكريم هذه المعجزة لها في قوله تعالى: {كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمَـحْرَابَ وَجَدَ عِنْدَهَا رِزْقاً قَالَ يَا مَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هذَا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِندِ اللّهِ إِنَّ اللّهَ يَرْزُقُ مَن يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَاب}(2).
قالوا: فلما ضمّ زكريا مريم إلى نفسه بنى لها بيتاً واسترضع لها، وقيل ضمّها إلى خالتها أم يحيى، حتّى إذا شيّبت وبلغت مبلغ النساء بنى لها محراباً في المسجد، وجعل بابه في وسطها لا يرمى إليها إلاّ بسلّم مثل باب الكعبة، ولا يصعد إليها غيره، وكان يأتيها بطعامها وشرابها كل يوم، فكان يجد عندها فاكهة في غير أوانها: فاكهة الصيف في الشتاء وفاكهة الشتاء في الصيف غضّاً طريّاً، وهذه تكرمة من الله لها(3).
ثانياً: قصة ولادة المسيح(عليه السلام):
يذكر القرآن الكريم قصة ولادة المسيح(عليه السلام)الاعجوبية بنوع من التفصيل، فبينما كانت مريم(عليها السلام) تتعبد لله تعالى، واذا بملك وروح يظهر لها متمثلا بصورة بشرية،
____________
1- الميزان في تفسير القرآن 3: 174. والمحراب عند اهل الكتاب هو الذي يعبّر عنه بالمذبح، وهو مقصورة في مقدم المعبد، لها باب يصعد اليه بسلم ذي درجات قليلة، ويكون من فيه محجوباً عمّن في المعبد.
2- آل عمران: 37.
3- العظيمان المباركان عيسى ومريم في القرآن والسنة: 25.
فذعرت مريم وخافت، فاستعاذت بالله لانقاذها، فقال لها الروح (و قيل انه جبرائيل(عليه السلام)) انما انا رسول من عند الله تعالى لأهب لك غلاماً زكياً، فاستغربت مريم كثيراً من هذا الكلام، لأنّها لم تقارب رجلا لا في الحلال (الزواج) ولا في الحرام والعياذ بالله (الزنا).
فقال لها الملاك حينئذ ان حمل امرأة من غير مقاربة مع رجل وإن كان امراً فوق العادة ولكنه هيّنٌ على الله تعالى، والحكمة في ذلك أن يكون هذا الطفل المعجزة آية للناس، وقد ذكر القرآن هذه المحاورة بين مريم والروح في قوله تعالى في سورة مريم: {فَاتَّخَذَتْ مِن دُونِهِمْ حِجَاباً فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَراً سَوِيّاً * قَالَتْ إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمنِ مِنكَ إِن كُنتَ تَقِيّاً * قَالَ إِنَّمَا أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ لاَِهَبَ لَكِ غُلاَماً زَكِيّاً * قَالَتْ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلامٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ وَلَمْ أَكُ بَغِيّاً * قَالَ كَذلِكِ قَالَ رَبُّكِ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً لِّلنَّاسِ وَرَحْمَةً مِّنَّا وَكَانَ أَمْراً مقْضِيّاً}(1) .
و كذلك ذكر سبحانه وتعالى هذا الحوار في موضع اخر فى كتابه المنزل حيث قال: {إِذْ قَالَتِ الْمَلاَئِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَة مِنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ وَجِيهاً فِي الْدُّنْيَا وَالاْخِرَةِ وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ * وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلاً وَمِنَ الصَّالِحِينَ * قَالَتْ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي وَلَدٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ قَالَ كَذلِكَ اللّهُ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ إِذَا قَضَى أَمْراً فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ}(2).
و اما كيفية الحمل فالقرآن الكريم يشير الى أن ذلك كان بالنفخ من روح الله عن طريق الفرج، قال تعالى: {وَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرَانَ الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهِ مِن رُوحِنَا}(3).
____________
1- مريم: 17 ـ 21.
2- آل عمران: 45 ـ 47.
3- التحريم: 12.
وقوله تعالى:{وَالَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهَا مِن رُّوحِنَا وَجَعَلْنَاهَا وَابْنَهَا آيَةً لِّلْعَالَمِينَ}(1).
والنفخ فيها من الروح كناية عن عدم استناد ولادة عيسى(عليه السلام) إلى العادة الجارية في كينونة الولد من تصور النطفة أولاً ثم نفخ الروح فيها، فإذا لم يكن هناك نطفة مصوّرة لم يبق إلاّ نفخ الروح فيها وهي الكلمة الالهية كما قال تعالى: {إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِندَ اللّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِن تُرَاب ثُمَّ قَالَ لَهُ كُن فَيَكُونُ}(2) أي مثلهما واحد في استغناء خلقهما عن النطفة(3).
و اما مدة الحمل فقد اختلف فيه، وقد يُستفاد من آيات القرآن الكريم وفى بعض الروايات أن الحمل بالمسيح(عليه السلام)لم يكى تسعة اشهر كما هو المتعارف بل كان وقتاً قصيراً مخالفاً للعادة(4).
و قد ورد في الروايات أن حمل مريم بعيسى(عليه السلام)كان تسع ساعات لاتسعة اشهر، فقد ورد عن الامام جعفر الصادق(عليه السلام): "أن مريم حملت بعيسى تسع ساعات كل ساعة شهر"(5) .
ثم ان في القرآن الكريم عطفاً بالحمل والولادة، قال تعالى:{فَحَمَلَتْهُ فَانتَبَذَتْ بِهِ مَكَاناً قَصِيّاً} مريم/ 22. ما يدل على السرعة في ذلك لاعلى البط والتراخي(6) .
ولكن هناك بعض الروايات تؤكد أن مريم حملت بالمسيح(عليه السلام)فترة ستة اشهر، فقد ورد في اصول الكافي عن ابي عبد الله(عليه السلام)انه قال: لم يولد لستة أشهر الاّ عيسى
____________
1- الأنبياء: 19.
2- آل عمران: 59.
3- تفسير الميزان 17: 313.
4- حياة السيد المسيح في القرآن الكريم: 53.
5- بحارالانوار 14: 219.
6- حياة السيد المسيح في القرآن الكريم: 56.
بن مريم والحسين بن علي(1).
و قيل ثمانية أشهر، وكان ذلك آية وذلك انه لم يعيش مولود وضع لثمانية أشهر غيره(2) ويعلق عبد الوهاب النجار على هذه الآراء بقوله: "لأن أمره في الحمل لما كان عجيباً أرادوا أن يجعلوه في مدة الحمل أيضاً عجيباً، وليس في أيدينا ما يثبت العجيبة مدة الحمل، فالأليق أن يحمل على الأمر الطبيعي الذي جرت العادة بمثله"(3).
وينقل انه لما ظهرت عليها مخايل الحمل كان أول من فطن لذلك رجل من عبّاد بني اسرائيل يقال له يوسف النجار (خطيب مريم كما يعتقد المسيحيون)، وكان ابن خالها، فجعل يتعجب من ذلك عجباً شديداً، وذلك لما يعلم من ديانتها ونزاهتها وعبادتها وهو مع ذلك يراها حُبلى وليس لها زوج، فعرض لها ذات يوم في الكلام فقال: يا مريم هل يكون زرع من غير بذر؟ قالت: نعم، فمن خلق الزرع الأول. ثم قال: فهل يكون من غير ذكر؟ قالت: نعم، الله خلق آدم من غير ذكر ولا أنثى، ويروى مثل هذا عن زكريا(عليه السلام) أنه سألها فأجابته بمثل هذا(4).
و اما مكان ولادته فلم يذكر القرآن الكريم ذلك، ولكنه أشار الى ذلك بقوله تعالى: {فَحَمَلَتْهُ فَانتَبَذَتْ بِهِ مَكَاناً قَصِيّاً}(5).
و المكان القصي هو البعيد، وقد اختلفت الروايات كثيراً في ذكر هذا المكان القصي، فبعضها يذكر أن مريم(عليها السلام) ولدت المسيح في العراق، وتحديداً في الكوفة أو النجف.
و البعض الاخر يشير الى أن الولادة المباركة كانت في بغداد، وزعم البعض انه
____________
1- اصول الكافي 1: 464.
2- بحارالانوار 14: 224.
3- قصص الأنبياء: 378.
4- قصص الأنبياء، ابن كثير: 544.
5- مريم: 22.
ولد في مصر، والمشهور انها كانت ببيت لحم في فلسطين وهو الاقرب الى الصحة(1).
و اما احداث الولادة فقد ذكر القرآن كيفيتها في سورة مريم في قوله تعالى: {فَحَمَلَتْهُ فَانتَبَذَتْ بِهِ مَكَاناً قَصِيّاً * فَأَجَاءَهَا الْمضـخَاضُ إِلَى جِذْعِ النَّخْلَةِ قَالَتْ يَا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هذَا وَكُنتُ نَسْياً مَنْسِيّاً * فَنَادَاهَا مِن تَحْتِهَا أَلاَّ تَحْزَنِي قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيّاً * وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَباً جَنِيّاً}(2).
أي حملت بالولد واعتزلت به مكاناً بعيداً من أهله، والمخاض والطلق وجع الولادة، والمعنى: أنها لما اعتزلت في قومها في مكان بعيد منهم، دفعها وألجأها الطلق إلى جذع نخلة كان هناك لوضع حملها، وقالت استحياء من الناس ياليتني متُّ من قبل هذا(3).
هنا حسبت الصدّيقة مريم الف حساب وحساب لما هي قادمة عليه من لوم اللائمين من قومها واتهامهم اياها بالفحشاء، مع أنها كانت عندهم من العابدات الناسكات، فحملت بسبب ذلك من الهم ما تمنت أن لو كانت ماتت قبل هذا الحال او كانت {نَسْياً مَنْسِيّاً} أي لم تخلق بالكلية.
و هذا المنادي قيل هو جبريل، وقيل هو عيسى(عليه السلام)ناداها بأن لاتحزن فقد جعل لها تحتها سرياً وهو النهر، وامرها بهز جذع النخلة (و قيل أنها كانت يا بسة) فتساقط عليها الرطب، فأكلت وشربت وقرّت عيناً.
ولكن هذا لم يكن آخر المطاف، بل علم الله الخبير بالهواجس التي تدور في نفس مريم وخوفها من مواجهة قومها بهذا المولود، ولذلك امرها أن تصوم عن
____________
1- قصص الأنبياء، ابن كثير: 587.
2- مريم: 22 ـ 26.
3- تفسير الميزان 14: 42.
الكلام ليتولى هذا المولود الجديد مهمة الدفاع عن امه القديسة وتبرئة ساحتها من كل أثم وخطيئة.
و بعد الولادة رجعت مريم الى قومها وهي حاملة المسيح(عليه السلام)على صدرها، فلما رأوا طفلا حديث الولادة معها، أسرعوا الى اتهامها بالفحشاء والمنكر، وقالوا يا مريم لقد فعلت منكراً عظيماً،{قَالُوا يَامَرْيَمُ لَقَدْ جِئْتِ شَيْئاً فَرِيّاً}(1).
و الفرية هي الفعلة المنكرة العظيمة من الفعال والمقال(2).
و اضافوا: {يَاأُخْتَ هَارُونَ مَا كَانَ أَبُوكِ امْرأَ سَوْء وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيّاً}. مريم: 28.
و قد اختلف المفسرون في المراد من (هارون) في هذه الآية بعد التسليم بأنه لم يكن شقيقها فى الأب والأم معاً، وهنا أربعة اقوال.
فقيل: انه كان رجلا صالحاً من بني اسرائيل ينسب اليه كل صالح، وعلى هذا فالمراد بالاخوة الشباهة ومعنى {يَاأُخْتَ هَارُونَ} يا شبيهة هارون.
و الثاني: ...انه كان أخاها لابيها لا من امها.
والثالث: ان المراد به هارون أخو موسى الكليم وعلى هذا فالمراد بالاخوة الانتساب كما يقال: أخو تميم.
والرابع: انه كان رجلا معروفاً بالعهر والفساد(3).
و قولهم: {مَا كَانَ أَبُوكِ امْرأَ سَوْء وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيّاً} أي لست من بيت هذا شيمته ولا سجيتهم، فكيف ارتكبت هذه الفاحشة العظيمة.
فلما ضاق بها الحال سكتت ولم تجب بشي، بل اشارت بيدها الى الطفل حتّى
____________
1- مريم: 27.
2- قصص الأنبياء ابن كثير: 589.
3- تفسير الميزان 14: 45.
يجيبيهم ويكشف لهم عن حقيقة الامر، {فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ} فأستغربوا من امرها وقالوا: {كَيْفَ نُكَلِّمُ مَن كَانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيّاً}وعندها تكلم المعجزة عيسى(عليه السلام)ليبرء ساحة أُمّه القديسة من كل اتهام باطل وقال: {قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيّاً * وَجَعَلَنِي مُبَارَكاً أَيْنَ مَا كُنتُ وَأَوْصَانِي بِالصَّلاَةِ وَالزَّكَاةِ مَادُمْتُ حَيّاً * وَبَرّاً بِوَالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّاراً شَقِيّاً * وَبَرّاً بِوَالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّاراً شَقِيّاً _"_32_ وَالسَّلاَمُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدتُّ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيّاً}(1).
و لم يتعرض المسيح(عليه السلام)في جوابه هذا لمشكلة الولادة، وتهمة الزنا الذي اتهموا به مريم، لأن نطقه على صباه هو بحد ذاته آية ومعجزة عظيمة، وما أخبر به في الحقيقة لايدع ريباً لمرتاب في امره بأنّه والعياذ بالله ابن زنا.
و يستفاد من كلام المسيح(عليه السلام)هذا:
أولاً: ثلاث صفات أساسية لشخصية المسيح(عليه السلام)، وهي:
أ - عبوديته لله تعالى.
ب - انه نبي من قبل الله تعالى.
ج - انه أوتي الكتاب من الله تعالى.
ثانياً: ثلاث قيّم لرسالته ودعوته، وهي:
أ - البركة.
ب - الصلاة.
ج - الزكاة.
ثالثاً: ثلاث سمات لسلوكه وأخلاقه، وهي:-
أ - البر بوالدته.
ب - عدم التجبر.
____________
1- مريم: 30 ـ 33.
ج - عدم الشقاء.
رابعاً: ثلاث نتائج، وهي:-
أ - السلام عليه يوم الولادة.
ب - السلام عليه يوم الموت.
ج - السلام عليه يوم القيامة(1).
فهذه هي قصة ولادة المسيح(عليه السلام)كما بينها سبحانه وتعالى في كتابه المنزل على نبيه الخاتم محمد (صلى الله عليه وآله)، وختم قصة ولادته وكلامه للناس بقوله سبحانه: {ذلِكَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ قَوْلَ الْحَقِّ الَّذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ * مَا كَانَ لِلَّهِ أَن يَتَّخِذَ مِن وَلَد سُبْحَانَهُ إِذَا قَضَى أَمْراً فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُن فَيَكُونُ}(2). وفيه نفي وإبطال لما قالت به النصارى من بنوة المسيح، وقوله: {إِذَا قَضَى أَمْراً فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ}حجة أقيمت على ذلك وقد عبّر بلفظ القضاء للدلالة على ملاك الاستحالة أن يكون لله ولد(3).
ثالثاً: طفولة المسيح(عليه السلام) وشبابه:
أن القرآن الكريم لم يذكر شيئاً عن طفولة المسيح(عليه السلام) وشبابه، بل وحتّى الروايات سكتت عن هذه الفترة من حياة المسيح(عليه السلام)الاّ يسيراً، ويظهر فى بعض الاخبار أن مريم(عليها السلام) حملت المسيح(عليه السلام) ومعها يوسف النجار على حمار حتّى وردا أرض مصر، فهي الربوة التي قال الله: {وَجَعَلْنَا ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ آيَةً وَآوَيْنَاهُمَا إِلَى رَبْوَة ذَاتِ قَرَار وَمَعِين}(4).
____________
1- حياة السيد المسيح في القرآن الكريم: 68.
2- مريم: 34 ـ 35.
3- تفسير الميزان 14: 48.
4- المؤمنون: 50.
وقد اختلف المفسرون في المراد بهذه الربوة التي ذكر الله في صفتها أنها ذات قرار ومعين، وهذه صفة غريبة الشكل، وهي أنها ربوة، وهو المكان المرتفع من الأرض الذي أعلاه مستو يقر عليه، وارتفاعه متسع، ومع علوه فيه عيون الماء المعين، وهو الجاري السارح على وجه الأرض، فقيل المراد المكان الذي ولدت فيه المسيح وهو نخلة بيت المقدّس، وقيل أنها أنهار دمشق، وقيل ذلك في مصر كما زعم البعض من أهل الكتاب(1).
فمكثت مريم أثنتي عشرة سنة تكتمه من الناس، لا يطّلع عليه احد، وكانت مريم لا تأمن عليه ولا على معيشته أحداً، حتّى تم لعيسى(عليه السلام)أثنتا عشرة سنة، فكان اول آية رآها الناس منه أنّ امّه كانت نازلة في دار دهقان من اهل مصر، فكان ذلك الدهقان قد سُرقت له خزانة، وكان لايسكن في داره الاّ المساكين فلم يتهمهم، فحزنت مريم لمصيبة الدهقان، فلما أن رأى عيسى حزن امه بمصيبة صاحب ضيافتها، قال لها:
يا أمه، أتحبين أن أدلّه على ماله؟
قالت: نعم يا بني، قال: قولي له يجمع لي مساكين داره، فقالت مريم للدهقان ذلك.
فجمع مساكين داره، فلما اجتمعوا عمد الى رجلين منهم: أحدهما أعمى والاخر مقعد، فحمل المقعد على عاتق الاعمى، ثم قال له: قم به، قال الاعمى: أنا اضعف من ذلك، قال عيسى(عليه السلام): فكيف قويت على ذلك البارحة؟
فلما استقل قائماً حاملا، هوي المقعد الى كوة الخزانة.
قال عيسى(عليه السلام): هكذا احتالا لمالك البارحة، فقال المقعد والاعمى صدق، فردّا
____________
1- قصص الأنبياء، ابن كثير: 564.
على الدهقان ماله(1).
و ينقل أن المسيح(عليه السلام)عندما بلغ سبع سنين اسلمته امه الى الكتّاب، فجعل لايعلمه المعلم شيئاً الاّ بدره اليه، فعلمه ابجد، فقال عيسى: ما ابجد؟
فقال المعلم لا أدري، فقال عيسى: كيف تعلمني ما لا تدري، فقال المعلم ما ابجد؟ فقال عيسى(عليه السلام): الالف آلاء الله، والباء بهاء الله، والجيم بهجة الله وجماله، فعجب المعلم في ذلك(2).
رابعاً: بعثته(عليه السلام):
لم يذكر القرآن متى كان ابتداء نبوة المسيح ولا كيف كان ذلك؟، والمشهور أن المسيح (عليه السلام) بُعث وقد بلغ الثلاثين من عمره الشريف، ورفع الى السماء بعد ثلاث سنين، يقول الطبري في تاريخه: فجاءه الوحي (عيسى(عليه السلام)) على ثلاثين سنة، وكانت نبوته ثلاث سنين، ثم رفعه الله اليه(3).
و قيل انه كان نبياً وهو طفل صغير، واستدلوا عليه بقوله تعالى: {قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيّاً}(4).
يقول العلامة الطباطبائي في تعليقه على الآية: "و ظاهر الكلام انه كان أوتي الكتاب و النبوة، لا أن ذلك اخبار بما سيقع"(5).
و هذا يعني انه كان نبياً وهو طفل صغير، فقد كان يومئذ نبياً فحسب، ثم اختاره
____________
1- تاريخ الطبري 1: 352.
2- البداية والنهاية، ابن الكثير 2: 91.
3- تاريخ الطبري 1: 352.
4- مريم: 30.
5- تفسير الميزان 14: 47.
الله للرسالة(1).
و قيل في الفرق بين النبي والرسول: أن الرسول من أوحي اليه وأمر بالتبليغ، أما النبي فهو من أوحي اليه سواء أمر بالتبليغ أم لا.
و قيل: أن الرسول هو من انزل معه كتاب وشريعة، أما النبي فهو من لم ينزل عليه كتاب وانما أمر أن يدعو الناس الى شريعة من كان قبله من الرسل.
و عليه فصح أن يقال: انه(عليه السلام)كان نبياً في اول الامر كما قال {وَجَعَلَنِي نَبِيّاً}ثم صار رسولاً كما قال تعالى {وَرَسُولاً إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ}(2).
و يؤكد القرآن أن الله تعالى أرسل المسيح(عليه السلام)الى بني اسرائيل، قال تعالى: {وَرَسُولاً إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنِّي قَدْ جِئْتُكُم بِآيَة مِن رَبِّكُمْ}(3).
والظاهر من الايات القرآنية أن كل خطابات المسيح(عليه السلام)كانت موجهة الى بني اسرائيل، الاّ أن ذلك لايعني انحصار الرسالة في بني اسرائيل، لأن المسيح(عليه السلام)من انبياء أولي العزم الذين بعثوا الى الناس كافة، كما ذهب إليه جمهور المتكلمين، وانما اختص بني اسرائيل بالذكر لان ابتداء الرسالة والدعوة كانت فيهم.
و يؤكد القرآن على نزول الانجيل على المسيح(عليه السلام)، كما في قوله تعالى: {وَقَفَّيْنَا عَلَى آثَارِهِم بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ مُصَدِّقاً لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ وَآتَيْنَاهُ الإِنْجِيلَ فِيهِ هُدىً وَنُورٌ وَمُصَدِّقاً لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ وَهُدىً وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ}(4).
و هذا يدل على أن الانجيل المذكور في الآية ومعناه البشارة - كان كتاباً نازلا على المسيح(عليه السلام)لا مجرد البشارة غير كتاب، غير أن الله سبحانه لم يفصّل القول في
____________
1- نفس المصدر.
2- حياة السيد المسيح في القرآن الكريم: 130.
3- آل عمران: 49.
4- المائدة: 46.
كلامه في كيفية نزوله على عيسى(عليه السلام)كما فصله في خصوص التوراة والقرآن.
فقد قال تعالى في حق التوراة: {وَكَتَبْنَا لَهُ فِي الأَلْوَاحِ مِنْ كُلِّ شَيْء مَوْعِظَةً وَتَفْصِيلاً لِكُلِّ شَيْء فَخُذْهَا بِقُوَّة وَأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُوا بِأَحْسَنِهَا سَأُورِيكُمْ دَارَ الْفَاسِقِينَ}(1) وأيضاً: {وَلمَّا سَكَتَ عَن مُوسَى الْغَضَبُ أَخَذَ الأَلْوَاحَ وَفِي نُسْخَتِهَا هُدىً وَرَحْمَةٌ لِلَّذِينَ هُمْ لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ}(2).
و في خصوص القرآن قال تعالى: {بِلِسَان عَرَبِيٍّ مُبِين}(3) وأيضاً {كِرَام بَرَرَة}(4).
فالقرآن الكريم لم يذكر في تفصيل نزول الانجيل ومشخصاته شيئاً، لكن ذكر نزوله على عيسى(عليه السلام)محاذياً لذكر نزول التوراة على موسى(عليه السلام)، ونزول القرآن على محمد(صلى الله عليه وآله)، يدل على كونه كتاباً في عرض الكتابين(5).
و الظاهر أن الانجيل المنزل على المسيح(عليه السلام)كان يشتمل على بعض الاحكام الشرعية والمواعظ الاخلاقية والامثال التي تدعو الناس الى الاستقامة والعمل الصالح، فإن القرآن الكريم يذكر أن تعاليمه - لو طبقت - فهي كفيلة بسعادة الإنسان و المجتمع.
قال تعالى: {وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُوا التَّوْرَاةَ وَالإِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِم مِن رَبِّهِمْ لاََكَلُوا مِن فَوْقِهِمْ وَمِن تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ مِنْهُمْ أُمَّةٌ مُقْتَصِدَةٌ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ سَاءَ مَا يَعْمَلُونَ}(6).
و قد ذكر القرآن الكريم الكثير من المعجزات للمسيح(عليه السلام)في زمان بعثته رسالته،
____________
1- الاعراف: 145.
2- الاعراف: 154.
3- الشعراء: 195.
4- عبس: 16.
5- تفسير الميزان 3: 346.
6- المائدة: 66.
فقد كان المسيح(عليه السلام)يحيي الموتى، ويخلق من الطين أشكالا تشبه الطيور،ثم ينفخ فيها فتتحول الى طيور حيّة، وكان(عليه السلام)يشفي المرضى كالاعمى والابرص، وكان يُخبر الناس بما يفعلونه في بيوتهم من الاكل والشرب وما شابه ذلك.




0 التعليقات:
إرسال تعليق